الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

431

تفسير روح البيان

للذكرى وله متعلق بما تعلق به الخبر أي ومن اين يكون له الذكرى وقد فات أوانها وقيل هناك محذوف واللام للنفع اى انى له منفعة الذكرى وبه يرتقع التناقض الواقع بين اثبات التذكر أو لا ونفيه ثانيا ثم إنه تعالى لما نفى كون هذه الذكرى والتوبة نافعة له بقوله وأنى له الذكرى علمنا أنه لا يجب قبول التوبة كما ذهب اليه المعتزلة وفي الإرشاد والاستدلال به على عدم وجواب قبول التوبة في دار التكليف يعنى عقلا كما تزعم المعتزلة مما لا وجه له على أن تذكره ليس من التوبة في شئ فإنه عالم بأنها انما تكون في الدنيا كما يعرب عنه قوله تعالى يَقُولُ يا أيها الحاضرون لَيْتَنِي كاشكى من قَدَّمْتُ لِحَياتِي وهو بدل اشتمال من يتذكر أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ عنه كأنه قيل ماذا يقول عند تذكره فقيل يقول يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه يعنى لتحصيل الحياة الأخروية التي هي حياة نافعة دائمة غير منقطعة أعمالا صالحة انتفع بها اليوم أو وقت حياتي على أن اللام بمعنى في للتوقيت ويجوز أن يكون المعنى قدمت عملا ينجيني من العذاب فأكون من الاحياء قال تعالى لا يموت فيها ولا يحيى . واعلم أن أهل الحق لا يسلبون الاختيار بالكلية وليس في هذا التمني شائبة دلالة على استقلال العبد بفعله كما يزعمه المعتزلة وانما الذي يدل عليه ذلك اعتقاد كونه متمكنا من تقديم الأعمال الصالحة واما ان ذلك بمحض قدرته أو بخلق اللّه عند صرف قدرته الكاسبة اليه فلا واما ما قيل من أن المحجور قد يتمنى ان كان ممكناه منه وموفقا له فربما يوهم ان من صرف قدرته إلى احمد طرفي الفعل يعتقد انه محجور من الطرف الآخر وليس كذلك بل كل أحد جازم بأنه لو صرف قدرته إلى اى طرف كان من أفعاله الاختيارية لحصل وعلى هذا يدور فلك التكليف والزام الحجة فَيَوْمَئِذٍ اى يوم إذ يكون ما ذكر من الأحوال والأقوال لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ الهاء راجع إلى اللّه تعالى والعذاب بمعنى التعذيب كالسلام بمعنى التسليم وكذا الوثاق بالفتح بمعنى الإيثاق وهو الشد بالوثاق وهو ما يشد به من الحديد والحبل والايثاق بالفارسية بند كردن يعنى بسلاسل وأغلال وأسير كرد در ان . والمعنى لا يتولى عذاب اللّه ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله للّه فلا يلزم ان يكون يوم القيامة معذب سوى اللّه لكنه لا يعذب أحد مثل عذابه وفي عين المعاني لا يعذب كعذاب اللّه في الآخرة أحد في الدنيا ويجوز أن يكون الهاء للانسان اى لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول وفي الكشاف هي قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن أبي عمر وأنه رجع اليه في آخر عمره اى لا يعذب مثل عذاب الإنسان أحد وظاهره يقتضى ان يكون عذابه أشد من عذاب إبليس الا ان يكون المراد أحد من هذا الجنس كعصاة المؤمنين نسأل اللّه السلامة والعافية في الدارين يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ لما ذكر شقاوة النفس الامارة شرع في بيان سعادة النفس المطمئنة والاطمئنان السكون بعد الإزعاج وسكون النفس انما هو بالوصول إلى غاية الغايات في اليقين والمعرفة والشهود وفي قوله تعالى ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب تنبيه على أنه بمعرفته تعالى والإكثار من عبادته يكتسب اطمئنان النفس وإذا وصلت إلى مقام الاطمئنان بذكر اللّه صار صاحبها في مقام